أورويل يكتبنا في رواية ألف وتسعمائة و أربعة وثمانون (1984)

حنان فهد | الأحد 6 ايلول 2015 | 9:58 مساءً بتوقيت دمشق

مشاركة

هذه الرواية عبارة عن تحذير ونذير، هي كتاب عنيف وقاسي ويهدف إلى إصابة القارئ بالاضطراب بل و بالصدمة و يظهر مدى السهولة التي يمكن أن تدمر البشرية بأفعالها هي ورغم أنه كتاب عن المستقبل لكن كتاب١٩٨٤، ليس خيال" علميا"، بل كتاب سياسي يكاد يكون هجاء ،رغم أنه ليس مبالغاً به إلى حد أنه تحول إلى أهجوة لاذعة بالكامل.

هذه الرواية فيها تصوير مشرح للطغيان وكيف أنه هو الذي يهدد مستقبل الإنسان والطغاة يسيطرون على المواطنين بالقدرة على إدراك الأفكار وتسخيرها وفق مصالحهم.طبعاً ليس بحكاية عن مستقبل خيالي و وحشي، بل يتحدث بالفعل عن أحوال عالمنا وخاصة أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، فهو يعلق على الطبيعة البشرية و أخطار السلطة المطلقة في يد طبقة حاكمة واحدة.

يقوم أورويل وكأنه يخترع "يوتوبيا" ولكنها مفسدة ومفلسة باستثناء أقلية مجنونة ومتسلطة، والرواية مضاد لعالم اليوتوبيا.

في الحقيقة، كان أورويل اشتراكياً ولكن في عام ١٩٤٨  كان قد اتضح له ولكثيرين آخرين أن الاتحاد السوفيتي خاصة ستالين كان بعيداً جداً عن مثاليات الاشتراكية، يعرف أورويل أن السلطة المطلقة تفسد وأن ثمن الحرية كان اليقظة الأبدية، فجاء كتاب ١٩٨٤تحذيراً مما سيحدث لو أن هذه اليقظة قد استرخت.

و من الجدير بالذكر أن أهم موضوعات الكتاب كان هو فكرة السيطرة الشاملة التي يمارسها الحزب الحاكم على حياة الشخصيات، إحدى المحاولات الحاسمة للسيطرة هو اللغة، إن قيام الحزب بعملية استعارة اللغة الانكليزية وخلق لغة جديدة لا يمكن استخدام سواها هو خط رئيسي في الكتاب.

حيث من الواضح أن أورويل وكأنه يقول: إن الذين يملكون اللغة لديهم السلطة لأنهم يتحكمون بمعنى كل شيء من حولهم، ودون طريقة للتعبير عن المشاعر والأفكار وخاصة إن كانت تلك الأفكار والمشاعر غير قانونية، فإنها تختفي، و إن اختفت كلمة ديموقراطية فالديموقراطيه نفسها ستختفي

وهناك فكرة هامة جداً تم طرحها هي التلاعب بالحقيقة. والتاريخ بواسطة الحزب: "من يتحكم بالماضي يتحكم بالمستقبل، ومن يتحكم بالحاضر يتحكم بالماضي".

يوضح هذا الشعار بجلية كيف أن إعادة كتابة التاريخ أمر مركزي للحزب المتحكم بالسلطة،و تبين إن الحفاظ على السلطة وتطويرها هو الهم الأساسي للغرب، حيث نجد في الرواية يقول أوبريان :بأن السلطة هي السلطة على الكائنات البشرية، على الجسم وكذلك على العقل.

وتبقى هناك الصورة القائمة النهائية التي يتركها أورويل لنا هي السؤال: "إن كنت تريد صورة للمستقبل فتصور حذاء يدوس وجهاً بشرياً إلى الأبد".حيث ان هذه الوحشية المتعمدة من قبل الكاتب تصدمنا لنرى الأخطار التي رآها هو في أوربا مابعد الحرب انشطر العالم في تلك الرواية إلى دول ثلاث كبيرة، حيث إن رؤية أورويل للعالم مقسماً إلى عددصغير من الدول القوية جداً والمتصارعة فينا بينها لم تكن رؤية بعيدة جداً عن الواقع.


"ونستون سميث"

و حول الشخصية الرئيسية في الرواية "ونستون سميث"، هذا الشاب المتمرد منذ البدايات ومدرك لأفعاله، حيث إنه يرى ما وراء الأكاذيب والدعاية، طبعاً ليس هو بالشخص القوي، بل هو شخص ضعيف وصغير، غالباً مايكون مخدوعاً أو يخطئ في الحكم .

 الشخصية الرئيسية في الرواية ترى أن هناك مجالاً ضمن كل واحد منا لا يمكن أبداً التحكم به أو تدميره.

مما تجعل القارئ يفهم "ونستون" ولا يحتقره بل يشعر بأنه شخص عادي تماماً باستثناء أنه لايستطيع الاستسلام أمام مجتمع قمعي ومرعب هو جزء منه، حيث إنه منشق يمكن أن يكون على صواب أو على خطأ،وهو يعتقد أن هناك مجالاً ضمن كل واحد منا لا يمكن أبداً التحكم به أو تدميره.

ولكن في الغرفة (151)كان على خطأ، حيث نجد أنه لامفر من أهوال معينة و أننا كلنا ننهار في النهاية، ولو كنا في مكان ونستون لما استطاع أي منا آن يتصرف على نحو أفضل.

و هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه بجدارة:

ماهي رسالة ١٩٨٤ إن كانت هذه الفروض للروح الإنسانية في وجه الخوف والقمع محكوم عليها منذ البداية؟
من المؤكد بأن أورويل لم يكن يتنبأ بأي شي، ومن هنا نحن بالتأكيد نسيء فهم لرواية عندما نتعامل معها على أنها كتاب يتنبأ بالمستقبل. وبالتأكيد يتبين لنا أن مايفعله أورويل هو خلق المستقبل، الذي يمكن أن يكون إن لم تكن الإنسانية في حالة من اليقظة.

يقول أورويل في تصريح صحفي حول الكتاب: "المغزى الأخلاقي الممكن استنباطه من هذا الوضع الكابوسي الخطير بسيط ( لا تتركوا هذا يحدق والأمر يعتمد عليكم )".

 في النهاية، لا يمكن تجنب دمار "وينستون سميث" في العالم الذي يخلقه أورويل ولكن مثل هذا العالم ليس محتوماً على أي حال، لو عملت المجتمعات بجد للمحافظة على سلامة الكرامة الإنسانية والإبداع والحرية.

وجاء الكتاب محموماً بسبب واقعية أورويل المختلطة بسوداوية مفرطة وسوء الحالة الصحية لأورويل وإصابته بالسل. واستعمل أورويل نفس أدوات الحرب التي استعملت في الحرب العالمية الثانية في عام ١٩٨٤،والعالم لذي رسمه أورويل لنا ليس عام ١٩٨٤ بل عام ١٩٤٨ حين وضع فيه كتابه، حيث حشد فيه كل مايكره في مجتمعه.

 انتشرت الرواية ١٩٤٩، وتوفي جورج أوربل ١٩٥٠،وبقيت تلك العبارات الشهيرة من الرواية مرآة لمستقبل كتب في الماضي:

"كل الكلمات التي تعبر عن ثمرة الحرية والمساواة يعتبر استعمالها جريمة"

"كل الكلمات التي تدور حول الموضوعية والعقلانية تعتبر لغة عتيقة"

في نهاية الرواية يتحدث عن وينستون ويكتب :

(حملق في الوجه الضخم، وقد انقضت أربعون سنة قبل أن يعرف نوع الابتسامة التي يخفيها وجه الأخ الكبير تحت شاربيه الأسودين وقال لنفسه: ولماذا كان سوء الفهم هذا القاسي الذي لاحاجة له؟ ولماذا ارتضيت أن أنفي نفسي متصلباً عنيداً عن صورة الأخ الكبير، المحب، الرؤوف .. وانسابت دمعتان سنيتان من عينيه فوق وجهه وقال لنفسه:لابأس في ذلك ولا ضير علي ، لقد انتهى نضالي، وها أنذا قد انتصرت على نفسي بنفسي وقهرت روحي وغدوت أحب الأخ الكبير).

المصدر: صحيفة المخيم - د. حنان فهد

رابط مختصر:



مشاركة



شاركنا برأيك

اختيارات القرّاء